أسطوانة الحرس

كيف نجمع بين حراسة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول الله سبحانه وتعالى: والله يعصمك من الناس: البخاري: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، تَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ، قَالَ: لَيْتَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِي صَالِحًا يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ، إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ سِلاَحٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ جِئْتُ لِأَحْرُسَكَ، وَنَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. واستمر الصحابة رضوان الله عليهم في حراستهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم مدة طويلة حتى عرف مكان جلوسهم واشتهر عند باب الحجرة النبوية باسم: أسطوانة الحرس، أو أسطوانة المحرس. وهذه الأسطوانة تقع على يسار الخارج من باب حجرة النبي صلى الله عليه وسلم. وبقي الصحابة رضوان الله عليهم يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل قول الله تعالى : والله يعصمك من الناس: الترمذي: عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ مِنَ القُبَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّه. متى نزلت هذه الآية، وهي من سورة المائدة؟ قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ذَكَرْتُ فِي" بَابِ الْحِرَاسَةِ " مِنْ " كِتَابِ الْجِهَادِ " مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ " عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ : " وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ " وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يُحْرَسْ بَعْدَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى سَبْقِ نُزُولِ الْآيَةِ ، لَكِنْ وَرَدَ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ أَنَّهُ حُرِسَ فِي بَدْرٍ وَفِي أُحُدٍ وَفِي الْخَنْدَقِ وَفِي رُجُوعِهِ مِنْ خَيْبَرَ وَفِي وَادِي الْقُرَى وَفِي عَمْرَةِ الْقَضِيَّةِ وَفِي حُنَيْنٍ ، فَكَأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ مُتَرَاخِيَةً عَنْ وَقْعَةِ حُنَيْنٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ " كَانَ الْعَبَّاسُ فِيمَنْ يَحْرُسُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَرَكَ " وَالْعَبَّاسُ إِنَّمَا لَازَمَهُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ حُنَيْنٍ، وَحَدِيثُ حِرَاسَتِهِ لَيْلَةَ حُنَيْنٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ أَنَّ أَنَسَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ حَرَسَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَتَتَبَّعَ بَعْضُهُمْ أَسْمَاءَ مَنْ حَرَسَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجُمِعَ مِنْهُمْ: علي، وسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَالزُّبَيْرُ وَأَبُو أَيُّوبَ وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ الْقَيْسِ وَالْأَدْرَعُ السُّلَمِيُّ وَابْنُ الْأَدْرَعِ وَاسْمُهُ مِحْجَنٌ وَيُقَالُ سَلَمَةُ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ وَالْعَبَّاسُ وَأَبُو رَيْحَانَةَ وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الْوَقَائِعِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا حَرَسَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ، بَلْ ذُكِرَ فِي مُطْلَقِ الْحَرَسِ فَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِهِ كَأَبِي أَيُّوبَ حِينَ بِنَائِهِ بِصَفِيَّةَ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ خَيْبَرَ وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حَرَسَ أَهْلُ تِلْكَ الْغَزْوَةِ كَأَنَسِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .اهـ. إشارة هامة: حفظ الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وعصمته له من الناس متحقق قبل الآية أيضا، في مواطن كثيرة، فقد حاولوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول الآية مرات عدة، منها: محاولة أبي جهل في مكة: في صحيح مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قَالَ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي، زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - لَا نَدْرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ شَيْءٌ بَلَغَهُ -: { كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ، أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ، عَبْدًا إِذَا صَلَّى ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ، أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} - يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ - {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ، كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ، فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ، كَلَّا لَا تُطِعْهُ}، زَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: وَأَمَرَهُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ.
 وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ }، يَعْنِي قَوْمَهُ. -اتفاق أهل مكة في دار الندوة على قتله صلى الله عليه وسلم : يقول سبحانه وتعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ. حفظ الله سبحانه وتعالى ونصره لرسوله صلى الله عليه وسلم في غار ثور: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. محاولة سراقة في طريق الهجرة: محاولة عمير بن وهب الجمحي : رواها الحافظ الطبري في تهذيب الآثار، وذكرها ابن عبد البر، وابن الأثير، والحافظ ابن حجر في كتبهم في سبب إسلام عمير . محاولة بني النضير: -محاولة قتله بالسم في خيبر: -محاولة المنافقين في الطريق. محاولة الأعرابي. وهذه كلها قبل الآية. إنه الرحمة : البخاري: قَالَ عبد الله: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ. إشارة هامة أخرى: وقد عفا عنهم جميعا، فلم يثبت أنه قتل أحدا منهم على ذلك. والله يعصمك من الناس: إلى قيام الساعة، فقد حفظ الله سبحانه وتعالى الرسول والرسالة. ولانعلم قبر نبي في الدنيا على وجه اليقين إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

شارك هذا المكان

أماكن قريبة

عرض جميع الأماكن

كن أول من يعرف عن الأماكن الجديدة